خطأ تاريخي توارد عليه الناس ! الإسراء والمعراج لم يكن في رجب 1417 هـ

0

للتحميل pdf اضغط هنا

للتحميل doc اضغط هنا

خطأ تاريخي توارد عليه الناس !

الإسراء والمعراج

لم يكن في رجب

ولم يكن في السابع والعشرين منه

ولكن …..

هذه الرسالة اللطيفة كانت في الأصل باكورة مجموعة مقالات كنا ننوي نشرها في جريدة المدينة حول مباحث الإسراء والمعراج ولكن لم يكتب الله الاستمرار فيها وتم نشر حلقتين فقط منها تتعلق بتاريخ الإسراء والمعراج في كل من جريدة المدينة وجريدة الندوة عام 1417 هـ

لا يختلف العقلاء في إمكانية حصول الخوارق في هذا الكون ، ولا شك أن أولى الناس بحصول تلك الخوارق هم أنبياء الله ورسله الذين أيدهم الله بمعجزاته دلالة على صدقهم وصدق ماجاءوا به .
ولئن كان ذلك هو حال الرسل صلوات الله عليهم فلأن يكون نبينا محمد ﷺ أعظمهم آيات وأكثرهم معجزات أمرا طبعيا لكونه خاتمهم ورسالته هي أعظم الرسالات .
وإن من تلك الآيات التي أعطيها الحبيب صلوات الله وسلامه عليه معجزة الإسراء التي قال الله تعالى فيها ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير )
وقد امتن الله سبحانه علي بأن بذلت وقتي لدراسة السيرة النبوية العطرة وتحقيق سلاسل حوادثها وخرز جواهرها في عقد متكامل دقيق ، وكانت تلك الحادثة العظيمة درة من الدرر التي خرزتها ضمن كتابي صحيح السيرة النبوية وأفردتها برسالة مستقلة بالقصة كاملة مقتصرا فيها على الروايات الثابتة مع سوقها في سياق واحد بلفظ الروايات الواردة مع ترتيبها ترتيبا منطقيا بحيث لا تتعارض فيما بينها .
وإن من المباحث التي بحثتها في تلكم القصة ولم تسجل بتفاصيلها في كتابي قضية توقيت حدوثها والتي كلما مر عام أثار مجيء سابع وعشرين رجب منه شجونا في نفسي لاشتهار هذا اليوم بين الناس بأنه يوم تلك الحادثة العظيمة ، مع عدم ثبوت ذلك البتة ، بل الصحيح خلافه .
أضف إلى ذلك خفاء التوقيت الصحيح لتلك الحادثة عن كثير من أهل العلم المتقدمين والمتأخريم ، مع حصول التساؤلات حولها وحول توقيتها ومايحدث في يومها من حوادث مبتدعة وأفهام خاطئة مما حدا بالبعض فجعله يفضلها على ليلة القدر والبعض الآخر يحييها بعبادات ماشرعها الله سبحانه في كتابه ، ولا على لسان رسول ﷺ .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى : سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل قال : ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر وقال آخر بل ليلة القدر أفضل فأيهما المصيب ؟ فأجاب :
الحمد لله ، أما القائل بأن ليلة الإسراء أفضل من ليلة القدر فإن أراد به أن تكون الليلة التي أسري فيها بالنبي ﷺ ونظائرها من كل عام أفضل لأمة محمد ﷺ من ليلة القدر بحيث يكون قيامها والدعاء فيها أفضل منه في ليلة القدر ؛ فهذا باطل لم يقله أحد من المسلمين وهو معلوم الفساد بالاطراد من دين الإسلام . هذا إذا كانت ليلة الإسراء تعرف عينها فكيف ولم يقم دليل معلوم لا على شهرها ولا على عشرها ولا على عينها بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة ليس فيها مايقطع به ، ولا شرع للمسلمين تخصيص الليلة التي يظن أنها ليلة الإسراء بقيام ولا غيره بخلاف ليلة القدر ….. ثم قال : ولا يعرف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها لا سيما على ليلة القدر ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها ولهذا لايعرف أي ليلة كانت وإن كان الإسراء من أعظم فضائله ﷺ ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان ولا ذلك المكان بعبادة شرعية ….. الخ كلامه رحمه الله .
وقال سماحة الشيخ ابن باز حفظه الله : وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها لا في رجب ولا غيره وكل ماورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي ﷺ عند أهل العلم بالحديث ولله الحكمة في إنساء الناس لها . ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها لأن النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها ولم يخصوها بشيء ولو كان الاحتفال بها أمرا مشروعا لبينه الرسول ﷺ للأمة إما بالقول أو بالفعل ….. الخ كلامه حفظه الله .
وعليه فأقول :
لقد اختلف أهل العلم في تحديد تاريخ حادثة الإسراء والمعراج اختلافا بينا فاختلفوا في السنة واختلفوا في الشهر واختلفوا في اليوم واختلفوا في مسمى الليلة .
فأما السنة فمنهم من جعله في بداية البعثة ومنهم من جعله بعد البعثة بثمانية عشر شهرا ومنهم من جعله بعدها بخمس سنين ، ومنهم من جعله بعد عشر سنوات منها ومنهم من قال : قبل الهجرة بخمس سنين ومنهم من قال : بثلاث سنين ومنهم من قال : قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا ومنهم من قال : بستة عشر شهرا ومنهم من قال : بخمسة عشر شهرا ومنهم من قال : قبلها بسنة وثلاثة أشهر ومنهم من قال : قبلها بسنة وشهرين ومنهم من قال : بسنة ومنهم من قال : بثمانية أشهر ومنهم من قال : بستة أشهر .
وأما الشهر فمنهم من جعله في شهر رجب ومنهم من جعله في ذي القعدة ومنهم من جعله في المحرم ومنهم من جعله في ربيع الأول ومنهم من جعله في ربيع الآخر ومنهم من جعله في رمضان ومنهم من جعله في شوال ومنهم من جعله في ذي الحجة .
وأما اليوم فمنهم من جعله خلال أيام الأسبوع الأول من رجب ومنهم من جعله في السابع والعشرين منه ومنهم من جعله في السابع من ربيع الأول ومنهم من جعله في الثاني عشر منه ومنهم من جعله في الثالث عشر من ربيع الآخر ومنهم من جعله في السابع عشر من رمضان .
وأما مسمى الليلة فمنهم من جعله في ليلة الجمعة ومنهم من جعله في ليلة السبت ومنهم من جعله في ليلة الاثنين .
وقد ثبت لدي بحول الله وقوته أثناء دراستي للسيرة النبوية وتمحيصها جزئية جزئية مع عرضها على قواعد النقد والنظر في الروايات صحة وضعفا التوقيت الصحيح لتلكم الحادثة العظيمة بالسنة والشهر واليوم بل والساعة .
وأحب في هذا المقال أن أناقش ماخالف ذلك من أقوال مع عرض حججها وتفنيدها ثم بيان الطريق الذي توصلت به للتوقيت الصحيح .
بالنسبة للعام :
فأما من ذكر الإسراء في أوائل البعثة فالحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق الكبير وحدده البعض بأنه في السنة التي أكرمه الله فيها بالنبوة نقل ذلك المباركفوري وقال : اختاره الطبري . ولعله استنادا لما رواه أنس عند البخاري في صحيحه بلفظ : فجاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم : أيهم هو ؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم . فقال آخرهم : خذوا خيرهم . فكانت تلك ليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولاينام قلبه ، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولاتنام قلوبهم .
وهذا القول ضعيف جدا ولايمكن اتفاقه مع روايات القصة التي تتضمن أمورا كثيرة حدثت بعد البعثة بزمن منها مارآه ﷺ في المعراج مثل رؤيته قصر عمر ورؤيته بلالا ورؤيته الرميصاء بنت ملحان ولايتفق مع الروايات التي تحدثت عن موقف قريش من الحادثة ومادار بين أبي جهل والنبي ﷺ وبين أبي بكر وكفار قريش ولا يتفق مع الروايات التي ذكر فيها ماأعطيه النبي ﷺ في تلك الحادثة كالصلوات الخمس وغفران الكبائر وخواتيم سورة البقرة كما ثبت في حديث ابن مسعود . وكما سيأتي في تحديد الساعة التي حصلت فيها الحادثة دل لفظ الرواية أن الإسراء وقع بعد ما صلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة العشاء . وهذا صريح جدا في المقصود .
وأما الدليل الذي أوهم هذا القول فللعلماء فيه مسلكان الأول : تغليط شريك بن عبد الله الراوي للحديث عند البخاري وغيره فيه واعتباره من أوهامه . وهذا المسلك لا أرتضيه لأن فيه تغليطا للراوي بغير حجة وقد بينت في رسالة الإسراء والمعراج أن شريكا قد ضبط في هذا الحديث مالم يضبطه غيره وذكرت من تابعه على ذلك هناك .
وأما المسلك الثاني لأهل العلم فهو القول بأن لفظة قبل أن يوحى إليه تعني أنه فوجئ بالحادثة من قبل تقدم إعلام من الله له بها وهذا هو المسلك المقبول الذي يتفق مع بقية الروايات .
وأما من ذكره بعد البعثة بثمانية عشر شهرا فأبو بكر محمد بن علي بن القاسم في تاريخه . نقله ابن عبد البر ورده ابن سيد الناس في عيون الأثر . وحقيق به أن يرد لمخالفته الروايات الثابتة التي تدلل على تأخره عن هذا التوقيت بكثير ، أضف إلى ذلك أنه عار من الدليل بل وشبهه . وهذا التوقيت كان فيه النبي ﷺ في غضون الدعوة السرية ولم يجاهر قومه بعد .
وأما من ذكره قبل الهجرة بخمس أو بعد البعثة بخمس فحكاه السيوطي عن الزهري وقد رواه الوقاصي عنه كما في عيون الأثر وذكره ابن عبد البر واختاره النووي والقرطبي وحكاه القاضي عياض ورجحه بالاتفاق على أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة وأنها ماتت قبل الهجرة بثلاث أو بخمس . وهذا القول أجاب عليه السيوطي بقوله : وأجيب بأن الصلاة التي صلتها معه هي التي كانت أول البعثة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي .
وهذا الرد من السيوطي لايصح لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ كانت هذه صلاته في أول البعثة بل الثابت أنه كان يصلي الصلوات الخمس وأن جبريل نزل إليه صبيحة الوحي فعلمه الوضوء والصلاة وقد فصلت ذلك في صحيح السيرة . لذا فالاستدراك الذي ذكره السيوطي غير مقبول . وأما ماجاء عن الزهري وهو إمام من أئمة المغازي فهو متفق مع ماسنقرره من التوقيت الصحيح بشيء من التوجيه فأما أنه قبل الهجرة بخمس فمعناه بعد البعثة بثمان يعني في السنة التاسعة . وأما بعد البعثة بخمس فعلى إهمال الفترة السرية كما ثبت ذلك في عدة روايات اعتبرت الفترة المكية عشر سنوات فقط وعليه فبإضافة الفترة السرية يكون ذلك بعد البعثة بثمان يعني في السنة التاسعة أيضا . وعلى كلا الروايتين يكون في الثاني عشر من ربيع الأول لأن البعثة والهجرة كلتاهما كانت في الثاني عشر من ربيع الأول كما ثبت في روايات الصحيحين . وسوف يأتي عن الزهري قول آخر بعد قليل .
وأما من ذكره بعد البعثة بنحو من عشر سنين فابن إسحق واختاره المنصورفوري وهذا القول يتفق كذلك مع مايأتي تقريره لأن حصول الإسراء في السنة التاسعة يصدق عليه قوله بنحو من عشر سنين إذا قرب الكسر .
وأما ذكره قبل الهجرة بثلاث سنين فقد حكاه ابن الأثير ولم يعزه لأحد وهو يوافق القول السابق على اعتبار الفترة المكية ثلاث عشرة سنة وهو الصحيح . ويقتضي أنه في الثاني عشر من ربيع الأول .
وأما من ذكره قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا فالواقدي مقتصرا على الإسراء فقط فيما حكاه عنه ابن الأثير . وأرى أن ابن الأثير حسب الفارق بين تأريخ الواقدي للمعراج وتأريخه للإسراء بالشهور فاعتبر هذا التوقيت لأن الواقدي لم يصرح به وإنما قال في المعراج أنه في رمضان وذكره بعد الإسراء الذي حدده في ربيع الأول قبل الهجرة بسنة فيكون توقيت المعراج قبل الهجرة بسنة مضافا إليها الفارق بين ريع الأول ورمضان فيكون المجموع ثمانية عشر شهرا ، وعلى كل فهذا القول تفرد به الواقدي بأسانيده وكلها فيها ضعف لأجل الكلام الذي في الواقدي فهو وإن كان من علماء المغازي إلا أنه أسانيده لاتقبل إلا إذا كان لها أصل عن غيره حيث تركه أكثر أهل العلم واتهمه بعضهم وقد فصلت القول فيه في مقدمة المجلد الأول والثاني من صحيح السيرة . وهذا القول مردود لضعفه ومخالفته للروايات التي تدلل على كون الحادثة حدثت قبل وفاة أبي طالب وخديجة وكان ذلك قبل الهجرة بثلاث والروايات التي تتعلق بنزول سورة النجم وأنها أول سورة استعلن بها النبي ﷺ وأول سورة نزلت فيها سجدة ومعلوم أن جعفر بن أبي طالب قرأ على النجاشي سورة مريم وهي سورة فيها سجدة يعني أن هجرة جعفر كانت بعد هذه الحادثة بفترة وهذا لايمكن أن يتأتى على هذا القول وكل ذلك ثابت بالروايات الصحيحة .
وأما من ذكره قبل الهجرة بستة عشر شهرا فالسدي فيما رواه الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن أسباط عنه . أخرجه عنه البيهقي في الدلائل قال ابن كثير : فعلى قول السدي يكون الإسراء في شهر ذي القعدة . وهذا مردود لتفرد السدي به وهو من صغار التابعين وليس من أعلام المغازي مع مخالفته أيضا لما تقدم وماسيأتي من روايات .
وأما من ذكره قبل الهجرة بخمسة عشر شهرا فالسدي فيما نقله عنه محقق حدائق الأنوار وعزاه للطبري والبيهقي وهذا خطأ في النقل عن السدي والصواب ماتقدم . وجزم به ابن فارس ولم يدلل عليه بشيء فهو لاشيء ولو نقل عن معتبر في المغازي لرد عليه بماتقدم . وهو يقتضي أنه كان في ذي الحجة .
وأما تأريخه قبل الهجرة بسنة وشهرين فنقله المباركفوري ولم يعزه لأحد . وهذا مثل سابقه . ويقتضي أنه كان في المحرم .
وأما من ذكره قبل خروجه ﷺ إلى المدينة بسنة فالزهري فيما رواه البيهقي من طريق موسى بن عقبة عنه . وكذلك ذكره ابن لهيعة عن الأسود عن عروة . وهو عند البيهقي أيضا في الدلائل وكذا رواه ابن جرير عن ابن جريج وفيه تسع سنين من العشر التي مكثها بمكة . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة أخرجه ابن مردويه وأظنه من طريق الواقدي كما أخرجه ابن سعد وهو في الإسراء فقط وسيأتي ونقله السيوطي عن ابن مسعود وقال : جزم به النووي . وقاله ابن حزم وادعى فيه الإجماع ورواه ابن الأثير في أسد الغابة عن ابن عباس وأنس وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحكاه البغوي في معالم التنزيل عن مقاتل كذا في حاشية حدائق الأنوار لابن الديبع . ورواه ابن سعد عن الواقدي بأسانيده إلى عبد الله بن عمرو وأم سلمة وعائشة وأم هانئ وابن عباس وغيرهم مقتصرا على الإسراء فقط ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة . ووقت للمعراج وقتا آخر كما سيأتي . قال ابن كثير : فعلى قول الزهري وعروة يكون في ربيع الأول . وهذا القول يعتبر صحيحا وموافقا لما يأتي تقريره على اعتبار الفترة المكية عشر سنوات كما تقدم ذكره في رواية الوقاصي عن الزهري فحسبه من حسبه على هذا الاعتبار فقال قبل الهجرة بسنة والمقصود بعد البعثة بتسع سنوات يعني في السنة التاسعة من البعثة فيكون حقيقة قبل الهجرة بأربع سنوات وقد وضح ذلك أيما وضوح رواية ابن جريج وهو من تلاميذ الزهري . وهذا هو التوقيت الصحيح لماسيأتي بيانه وهو المتفق مع الرواية الأخرى عن الزهري . وهذا على مافي هذه الروايات كلها من ضعف من قبل الأسانيد أو من قبل الإرسال .
وأما من ذكره قبل الهجرة بثمانية أشهر فحكاه السيوطي . وهذا القول عار من الدليل وهو يقتضي حصوله في رجب .
وأما من ذكره قبل الهجرة بستة أشهر فالسدي فيما نقله عنه ابن الأثير في أسد الغابة . وأراه خطأ مطبعيا أو سهوا والصواب عن السدي ستة عشر شهرا كما سبق ذكره . وهو يقتضي حدوثه في شوال .
وأما بالنسبة للشهر :
فقد ذكره في ربيع الأول ابن الأثير والنووي في شرح مسلم وهو مقتضى كلام الزهري وعروة وغيرهما كماتقدم وصرح به الواقدي في الإسراء كما سبق . وسيأتي دليله الصحيح المتصل .
وأما من ذكره في ربيع الآخر فالحربي والنووي في فتاواه ويأتي الكلام عليه .
وأما من ذكره في رجب فابن عبد البر وابن قتيبة وجزم به النووي في الروضة وحكاه السيوطي كماتقدم ويأتي الكلام عليه .
وأما من ذكره في رمضان فالواقدي مقتصرا على المعراج كما سيأتي وحكاه ابن الديبع ونقله أيضا المباركفوري عمن قال قبل الهجرة بستة عشر شهرا فأخطأ في الحساب . ويأتي الكلام عليه .
وأما ذكره في شوال فنقل عن السدي والماوردي ، وهذا فيه اشتباه بالقول التالي لكونه هو الشهر السابق له مباشرة . وربما كان بسبب الخطأ الحاصل في نقل ابن الأثير عن السدي كما تقدم .
وأما من ذكره في ذي القعدة فالسدي وقد تقدم ضعف هذا القول والرد عليه .
وأما من ذكره في ذي الحجة فابن فارس وهو مقتضى النقل الخاطئ عن السدي وقد تقدم مافيه .
وأما من ذكره في المحرم فهو مقتضى نقل المباركفوري ولم يعزه لأحد وأظنه مبنيا على النقل الخاطئ عن السدي كذلك مع تجاوز في الحساب .
وأما من ذكره ليلة السابع والعشرين من رجب فالحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في سيرته واختار رحمه الله قولا غيره وهو ماقررناه من التوقيت الصحيح ويأتي ذكره . نقل ذلك عنه الحافظ ابن كثير وقال : وقد أورد فيه حديثا لايصح سنده .ا.هـ وقد تقدم من وافق على ذكره في هذا الشهر ودليل هؤلاء هذا الحديث الذي يكفينا فيه قول الحافظ ابن كثير : إنه لا يصح سنده . ويكفينا أيضا مخالفة من أورده له وموافقته لما سنذكره من القول الثابت الصحيح .
وقد روى هذا الحديث أبو موسى المديني في فضائل الأيام والليالي عن أنس وقال العراقي في تخريج الإحياء : فيه محمد بن الفضل وأبان ضعيفان جدا والحديث منكر .ا.هـ
والأحاديث الموضوعة في فضل رجب هي أساس هذا القول الذي لاأساس له ولايعرف عن أحد من أهل المغازي والسير .
وأما من ذكره في ليلة سبع من ربيع الأول فابن الأثير وعلقه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . وهذا خطأ في النقل أو سقط من الناسخ والصواب فيه سبع عشر كما سيأتي .
وأما من ذكره ليلة سابع عشر من ربيع الأول فالواقدي مقتصرا على الإسراء فقط . وهو في روايته بأسانيده عن جماعة من الصحابة ومنها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقد تقدم . وجاء في رواية ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو المتقدم ذكرها أيضا . وهذا مردود لضعف إسناده مع موافقته للشهر .
وأما من ذكره في ثالث عشر ربيع الآخر فالحربي . ولا دليل عليه .
وأما من ذكره في سابع عشر رمضان فالواقدي بأسانيده مقتصرا على المعراج فقط . وهو ضعيف لضعف إسناده .
بالنسبة لليلة :
وأما من ذكره ليلة الجمعة فنقله الحافظ ابن كثير قائلا : ومن الناس من يزعم أن الإسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة ولا أصل لذلك والله أعلم . وينشد بعضهم في ذلك :
ليلة الجمعة عرج بالنبي ليلة الجمعة أول رجب
وهذا الشعر عليه ركاكة وإنما ذكرناه استشهادا لمن يقول به . انتهى كلام ابن كثير . وهو كاف والحمد لله .
وأما ليلة السبت فذكره محقق حدائق الأنوار نقلا عن المواهب اللدنية وتاريخ الخميس ولم يعزه لأحد . وقد رواه ابن سعد عن الواقدي عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سبرة وغيره من رجاله مقتصرا على المعراج فقط وحدده بليلة السبت لسبع عشرة خلت من شهر رمضان . وهو ضعيف الإسناد منقطع .
وأما ليلة الاثنين فقاله ابن الأثير وقال ابن دحية : إن شاء الله يكون ليلة الاثنين ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة فإن هذه أطوار الانتقالات وجودا ونبوة ومعراجا وهجرة ووفاة . وهو مقتضى أغلب الروايات وهو ماصرحت به الرواية الصحيحة التي سوف نذكرها بعد قليل إن شاء الله تعالى .
والآن حان ذكر التوقيت الصحيح لتلك الحادثة العظيمة فأقول :
لقد وقع الإسراء والمعراج ليلة الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول على رأس العام التاسع من البعثة في الثلث الأخير من الليل
الإسراء وقع في العام التاسع من البعثة :
فأما كونه في العام التاسع فهو التوقيت الذي يجمع بين ماثبت عن عروة والزهري وابن إسحق وابن جريج وماروي عن عبد الله بن عمرو بالعاص وأنس وابن عباس وأم هانئ وابن مسعود ومقاتل ونقل عن ابن حزم ادعاء الإجماع عليه . وقد دل عليه السياق المنطقي للروايات الصحيحة للسيرة على التفصيل التالي :
إذا حاولنا حصر الواقعة بين تاريخين نقول :
جاءت نصوص متعددة تدل على كونه قبل وفاة أبي طالب وخديجة منها عن عمر بن الخطاب عند ابن مردويه كما في الخصائص الكبرى بالإضافة إلى أحداث وقعت قبل وفاتهما وهي بعد الإسراء مثل قصة ابن أبي لهب التي حدثت بعد نزول سورة النجم فقال فيها ابن أبي لهب لرسول الله ﷺ : إنه يكفر بالذي دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فقال رسول الله ﷺ : اللهم سلط عليه كلبا من كلابك وأبو طالب حاضر فوجم منها وقال : ماأغناك عن دعوة ابن أخي ….. الخ القصة . وقد ذكرت طرقها في صحيح السيرة .
وعليه فالقصة وقعت أولا ثم نزلت سورة النجم فاستعلن بها النبي ﷺ في ملأ قريش وهو في منعة من عمه فأتاه ابن أبي لهب فقال ماقال وأبو طالب حاضر ثم مرض أبو طالب وتوفي .
وكانت وفاة أبي طالب بعد وفاة خديجة لأنه ﷺ عرض عليه الزواج بعد وفاتها مباشرة من سودة وعائشة وقبل زمعة تزويجه وكان في ذلك الوقت آمنا معززا يمكنه أن يفعل مايريد حتى توفي أبو طالب فأخذوا في ضربه وطرده وضيقوا عليه وعلى أصحابه كما قال ﷺ : مازالت قريش كاعة عني حتى توفي أبو طالب . وكذا فقد اتفق أهل المغازي على وفاتهما في عام واحد
وكانت وفاة خديجة قبل الهجرة بثلاث سنوات كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة .
فنخلص مما تقدم من دلائل يوجد غيرها أيضا أن الإسراء لابد وأن يقع في غضون العشر سنوات الأولى من البعثة وقبل الهجرة بثلاث سنوات على الأقل .
ثم جاءت نصوص تدل على تأخر الإسراء منها ماجاء في القصة من رؤيته ﷺ لقصر عمر فمعنى ذلك أن الواقعة بعد البعثة بأكثر من ست سنوات لثبوت إسلام عمر في السنة السادسة كما حققته في صحيح السيرة بالأسانيد الصحيحة ومنها ماجاء في حديث أنس في الإسراء صليت بطيبة وإليها المهاجر. وفيه تلميح بالهجرة للمدينة إلا أنه لايتعدى معرفة المدينة بأوصافها لأنها آن ذاك لم تعرف إلا باسم يثرب ، وهذا يدل على قربها من معرفته ﷺ بالهجرة للمدينة وكان ذلك بعد تكالب قريش عليه وعلى أصحابه وبعد محاولة أبي بكر الهجرة للحبشة ورجوعه وهذا كله بعد وفاة أبي طالب . وثبت في ذلك قوله ﷺ : إني وجهت إلى أرض ذات نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة فإذا هي يثرب
وبناء على ماتقدم يكون الإسراء قد وقع بين السنة السادسة والسنة العاشرة وهو إلى العاشرة أقرب فهو إما في السابعة وإما في الثامنة وإما في التاسعة والأقرب إلى العاشرة السنة التاسعة وهو مقتضى الروايات الثابتة عن أهل المغازي وماروي عن غيرهم متصلا كما تقدم . وليس هناك من قال بحصوله في السابعة أو الثامنة اللهم إلا على توجيه لبعض الأقوال على اعتبار أن الفترة المكية عشر سنوات فهو قول مرفوض أساسا .
وقد أثبت في تخريج روايات قصة الإسراء في الكتاب الخاص بذلك مايدل على كونه وقع هو والمعراج في ليلة واحدة وليس مقالي هذا لتقرير ذلك الأمر .
الإسراء يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول :
وأما دليل كونه يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول
فما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عفان عن سعيد بن ميناء عن جابر وابن عباس أنهما قالا : ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الاثنين الثاني من شهر ربيع الأول وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء وفيه هاجر وفيه مات ، هكذا نقله ابن كثير عن المصنف ، وقد بحثت عنه بدقة في المصنف المطبوع ولم أجده ثم حاولت البحث عنه في مخطوطات المصنف المصورة والميكروفيلم فلم يتيسر لي الوقوف عليه لنقصان النسخ ووجود تفاوت كبير بينها مع ضخامة الكتاب . وقد سكت عنه ابن كثير في البداية في موضع المولد وقال في موضع الإسراء فيه انقطاع ، والأثر رجاله ثقات وفيه انقطاع كما قال فإن عفان لم يدرك سعيدا وباستقراء المصنف وجدت أثرا واحدا فيه من رواية عفان عن سعيد وبينهما سليم بن حيان وهو ثقة وهو من رواية سعيد عن جابر في فضائله ﷺ ثم تتبعت شيوخ عفان وتلاميذ سعيد عند المزي فلم أجد مشتركا إلا سليم بن حيان . وانظر أيضا تحفة الأشراف في رواية سعيد بن ميناء عن جابر ، فإذا أضفنا إلى ذلك أن نسخ المصنف تختلف وفيها سقط وأحيانا يسقط الرجل من وسط السند كما وقفت عليه في عدة مواضع ، وأن عفان لم يذكره أحد بالإرسال وأنه كان من المتشددين جدا في الجرح بحيث يستبعد أن يرسل عن ضعيف . يكون الأرجح سقوط اسم سليم من نسخة الحافظ ابن كثير والله تعالى أعلم
وبعد تقرير هذا بزمن امتن الله عليه بنعمة لا يسعني شكرها فقد وقفت على حديث ابن عباس وجابر عند الجورقاني في كتابه الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير مرويا بسند مسلسل بالحفاظ إلى ابن أبي شيبة بإسناده إليهما وفيه سليم بن حيان كما رجحت آنفا فثبت الأثر على شرط البخاري وكلام الأخ المحقق لكتاب الجورقاني يدل على أنه عارض النص بالمصنف ولكنه لم يذكر موضع الأثر فيه .
وهذا القول الذي أثبتناه هو مارجحه المقدسي في سيرته كما أفاده ابن كثير ورجح ابن المنير الشهر نفسه كما أفاده السيوطي في شرح قصة الإسراء وهو مقتضى ماثبت وماروي عن كل من حدد التاريخ بالنسبة للهجرة أو البعثة لاتحاد اليوم والشهر للكل .
الإسراء في الثلث الأخير من الليل :
وأما تحديد الساعة فقد اتفق على حصول ذلك ليلا لقوله تعالى ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ) وثبوت ذلك في كثير من الروايات وأضيف هنا أنه بعد صلاته ﷺ العشاء بأصحابه معتما أي في أواخر وقتها وكان ذلك قبيل ثلث الليل الآخر لأنه كان آخر التوقيت لها في تلك الفترة على ماثبت في حديث تعليم جبريل للمواقيت عند الكعبة . وعليه فكان الإسراء بعد منتصف الليل لحصول فترة من النوم قبله ثم حصول عملية الشق ثم تقدم المعراج عليه على الأصح – ولإثبات ذلك محل آخر – ثم أدركته صلاة الصبح ببيت المقدس فصلى بالأنبياء هناك وكل هذه روايات ثابتة تفاصيلها في غير مقالنا هذا ، أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
وكتبه
محمد بن رزق بن طرهوني