
العوضي ونظام الطيبات في ميزان الشرع !
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد
فقد كنت أود ألا أشارك في الحديث عن هذه النازلة فليس من الحصافة الإدلاء بالكلام في كل ماينتشر بين الناس .. ولكني وجدت أن الأمر قد خرج عن السيطرة وأصبح الناس فريقين متناحرين بصورة غير مسبوقة في مسألة هينة مثل هذه .. فالدكتور العوضي رحمه الله ليس أول من دعا إلى نظام غذائي للاستشفاء ..ولم نر مثل ذلك على كلام كريم علي أو نظام الكيتو أو حتى الماكروبيوتك أو صيام الماء أو غيره ..
وقبل أن أخوض فيما أريده لايأتيني آت فيقول : العوضي مات ولماذا لم تتكلموا في حياته ؟ ونحو ذلك فأقول له : لم أسمع في حياتي بالرجل إلا بعد موته الذي كان سببا في اطلاع الناس على نظامه ذلك . ولو كان حيا لما اطلعت أصلا على نظامه هذا ولا يعنيني ولم أكن لأنبري للرد عليه فيما أراه خطأ فليس كل مايراه المرء خطأ يستلزم منه الرد ، كما أن لكل وجهة هو موليها .
ومادفعني للدخول في تلك المعركة دون التفات كعادتي لمن يرضى أو يسخط هو الغيرة على دين الله سبحانه والميثاق الذي أخذ على أهل العلم ولبيان ذلك أقول :
نظام الطيبات للعوضي له شقان :
الأول : الشق الطبي والغذائي التخصصي وهذا أترك الأخذ والرد فيه لأهل الاختصاص وقد أشبع كثيرون هذا الجانب تبيانا وردوا ما فيه من ثغرات أو التباس بسبب تضارب كلام العوضي في تسجيلاته المحفوظة .. مع التنبيه على نقطة غاية في الأهمية وهي أن الدكتور العوضي أخصائي تخدير وليس أخصائيا في التغذية ولا طبيبا باطنيا أو أخصائيا في القلب أو الأورام أو نحو ذلك من تخصصات تتعلق بما ينادي بعلاجه من أمراض .. ولذا فمع الاحترام له والترحم عليه وأنا من الناس الذين يحترمون التخصصات ويعطون القوس لباريها لايمكن أن أقدم كلمة منه على أهل الاختصاص بل هو عندي متطفل .
الثاني : الجانب الشرعي وهذا ما يعنيني وهو صميم تخصصي في مقابل كون العوضي عاميا لا علاقة له بهذا العلم من قريب أو بعيد ولولا عذره بالجهل لكان قد تحمل مالا يقدر عليه من مسؤولية شرعية وهاك التفصيل :
إن الرجل ليتكلم بالكلمة لايلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا كما في الحديث الصحيح .. ولذا فالألفاظ لها دلالات ولابد من التحرز عند النطق بها ..فهناك فرق بين من يقول : إني أكره شرب اللبن مثلا فهذا لا غضاضة فيه .. أو من يقول : إن اللبن يضر من لديه حساسية لمادة اللاكتوز أو بروتين الحليب أو كذا وكذا من حالات خاصة ينص عليها الأطباء المختصون فهذا كذلك لاغضاضة فيه ، أو نحو ذلك ؛ وبين من يقول : إن اللبن مضر وليس شرابا للبشر فهذا قد يكفر بذلك كفرا أكبر حيث عارض نصا شرعيا متواترا وخالف رب العزة والجلال واستدرك عليه وعلى نبيه ﷺ .
ولذا فنقول :
الأصل في الأطعمة الحل ولايوجد شيء محرم إلا ماثبت النص بتحريمه وهناك أمور خلافية هي مجال أخذ ورد بين علماء الشريعة .. ومنع البشر جميعا من طعام حلال هو تحريم ضمني لو زينه القائل بعبارات موهمة ولكننا سنتجاوز ذلك إلى تعدي القول بالمنع على مطعومات ثبتت النصوص الشرعية بإباحتها خصيصا إما بالفعل أو بالقول أو بالإقرار فكيف إذا انضم إلى ذلك الامتنان من الله أو الثناء أو ما يوحي بذلك ؟؟
فاللبن هو خير طعام وعليه عاش النبي ﷺ وصحابته الكرام سنوات طوال وقد قال فيه الله سبحانه : وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ .
انظر لعظم الامتنان ” نسقيكم ” وجمال الوصف “خالصا سائغا للشاربين ”
وهذا يشمل ألبان جميع الأنعام : الإبل والبقر والضأن والمعز .
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : إذا أكَلَ أحدُكم طَعامًا، فلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بارِكْ لنا فيه، وأطْعِمْنا خَيرًا منه، وإذا سُقيَ لَبَنًا، فلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بارِكْ لنا فيه، وزِدْنا منه، فإنَّه ليس شَيءٌ يُجزِئُ من الطَّعامِ والشَّرابِ إلَّا اللَّبَنُ . حديث حسن حسنه الترمذي والحافظ ابن حجر وغيرهما
قال الشوكاني : ( وزدنا منه ) هذا يدل على … أنه ليس في الأطعمة والأشربة خير من اللبن ، وظاهره أنه خير من العسل الذي هو شفاء ، لكن قد يقال إن اللبن باعتبار التغذي والري خير من العسل ومرجح عليه ، والعسل باعتبار التداوي من كل داء وباعتبار الحلاوة مرجح على اللبن ، ففي كل منهما خصوصية يترجح بها .ا.هـ
ودخل عبد الله بن عمر على أحد الولاة يقال له ابن مطيع فقال: السلام عليك، فقال: وعليك السلام ورحمة الله، ومرحبا وأهلا بأبي عبد الرحمن ضعوا له وسادة، فقال ابن عمر: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (( ثَلاثٌ لا تُرَدُّ : الوَسائدُ ، والدُّهنُ _ أي الطيب _ واللبَنُ )) ما جلست عليها . حديث حسن حسنه ابن حبان وابن حجر والمناوي وغيرهم
يعني مع كره ابن عمر لهذا الوالي لأنه ليس على الجادة جلس على وسادته لأجل هذا الحديث ..فكيف بمن يرد اللبن بل برفضه ويمنع منه .
وفي الصحيحين حديث الذين أصابهم مرض الاستسقاء فأمرهم النبي ﷺ أن يشربوا من ألبان الإبل وأبوالها حتى شفاهم الله .
وهنا يصف النبي ﷺ اللبن علاجا فمن اعتبره مرضا فهو فاقد للعقل .
وهنا أيضا يصفه علاجا :
فعَن ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ( مَا انزل اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، فَعَلَيْكُمْ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ، فَإِنَّهَا تَرُمُّ مِنْ كُلِّ الشَّجَرِ ).
صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما
وقوله : فإنَّها تَرُمُّ مِن كُلِّ الشَّجَرِ”، أي لا تُبْقي شَجرًا ولا نَباتًا إلَّا اعْتَلَفَتْ منه؛ فيَكونُ لَبَنُها مُركَّبًا من قُوى أشْجارٍ مُختلِفَةٍ، ونَباتاتٍ مُتنوِّعَةٍ، فتَنفَعُ في مُختلِفِ الأدْواءِ، إذْ قد يُصادِفُ الداءُ دَواءَه .
وفي حديث آخر : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلْبَانُهَا شِفَاءٌ، وَسَمْنُهَا دَوَاءٌ … وقد صححه الحاكم وغيره أيضا
فإذا أتى لنا من يقول بخلاف هذه النصوص فإن قوله لايساوي فلسا ولايشتغل به وإنما يحذر منه ويخوف بالله ويعلم حتى لايقع في محظور عظيم .
ولولا أنه جاهل عامي في الشريعة ولايحسن حتى النطق بالكلمات نطقا صحيحا مع قذارة لسان تليق بالسوقة والرعاع لكان الحكم فيه شديدا .. وطبعا لو وجد حكم شرعي لجلد في ميدان عام ليكون عبرة لغيره .
ويلحق بالألبان جميع مشتقاتها فهي لبن وإن طبخ فقد كان النبي ﷺ يطعم هو وأصحابه الأقط بل وله أحكام شرعية وهو من الربويات ومما يخرج في الزكاة ونحو ذلك .
وأكل النبي ﷺ والصحابة الأجبان فعن عبد الله بن عمر قال : أُتي النَّبيُّ ﷺ بِجُبنَةٍ في تبوكَ فدعا بالسكين فسمَّى وقطعَ . حديث حسن حسنه الحافظ ابن حجر والألباني
ولو تقصينا ماورد في اللبن ومشتقاته لطال بنا المقام ويكفي أنه من نعيم الجنة قال تعالى : فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه …الآية
والتعلل بأن اللبن يخرج من أنعام تأخذ علفا ودواء به ما يغير طبيعته الطيبة بلاهة وغباء وخصوصا ممن يحث على أكل لحومها مثل العوضي .
أما الدجاج فهو من خيرة الطعام بل اعتبر مما يتقرب به إلى الله ولكن الجاهل عدو نفسه فلا يدري أن النبي ﷺ قال : مَنِ اغتَسَلَ يَومَ الجُمُعةِ غُسلَ الجَنابةِ ثُمَّ راحَ، فكَأنَّما قَرَّبَ بَدَنةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الثَّانيةِ فكَأنَّما قَرَّبَ بَقَرةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الثَّالِثةِ فكَأنَّما قَرَّبَ كَبشًا أقرَنَ، ومَن راحَ في السَّاعةِ الرَّابِعةِ فكَأنَّما قَرَّبَ دَجاجةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الخامِسةِ فكَأنَّما قَرَّبَ بَيضةً، فإذا خَرَجَ الإمامُ حَضَرَتِ المَلائِكةُ يَستَمِعونَ الذِّكرَ . حديث صحيح متفق عليه .
وهذا يجرنا للبيض الذي جهله الجاهلون أيضا فهو من خير الطعام ومما يتقرب به إلى الله سبحانه فيتصدق به على الفقراء فيؤجر عليه العبد .. وللبيض أحكام شرعية ومنها في الإحرام وجزاء من أخذ بيضا لنعامة مثلا وقد حكم فيه العلماء بثمنه وهذا يعني أنه مثمن لكونه يؤكل .
بل إن الله سبحانه لشهرة البيض لدى العرب مثل به للحور العين فقال : كأنهن بيض مكنون . وذلك لرقة غشاء البيضة وصفاء لونها وبياضه .
وقد ثبت في الحديث أنَّ أبا موسَى، أتي بدَجاجةٍ ، فتنحَّى رجلٌ منَ القومِ، فقالَ: ما شأنُكَ ؟ قالَ: إنِّي رأيتُها تأكلُ شيئًا قَذِرْتُهُ فحلَفتُ أن لا آكلَهُ، فقالَ أبو موسَى : ادنُ فَكُل، فإنِّي رأيتُ رسولَ اللَّهِ يأكلُهُ، وأمرَهُ أن يُكَفِّرَ عَن يمينِهِ . حديث صحيح متفق عليه
وهذا الرجل رأى الدجاجة تأكل قذرا ومع ذلك لم يلتفت لذلك أبو موسى رضي الله عنه وأمره بالأكل وإطعام عشرة مساكين مقابل يمينه الذي حلفه !!!
وهذا متعلق بدجاج المزارع الحالي الذي يقال إنه يتغذى على نجاسات مثلا ..فهذا يمكن استثناؤه إذا ثبت حقا أنه مضر طبيا ..ليس لكونه دجاجا وإنما لهذا العارض .. فيحذر من هذا النوع فقط مع التنبيه على السبب وأما سائر الدجاج فعلى ماهو عليه من الإباحة والخيرية .
وإذا طعم الدجاج النجاسة حتى أثرت في ريحه فأيضا يؤكل ولكن بعد أن يطعم طعاما يذهب هذه الرائحة فقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن عمر أنه كان يحبس الدجاجة الجلالة ثلاثا . يعني ثلاثة أيام تأكل علفا ليتغير حالها .
وبعض السفهاء اليوم الذين يرمون الدجاج والبيض على خطر عظيم وذنب مؤكد ..بل عليهم أن يعطوه للعقلاء الذين يأكلونه ولايتحملون إثم التحريم الضمني وإثم إضاعة المال .
في الحقيقة الموضوع يطول جدا واستقراء كل ما نهى عنه العوضي في برنامجه سيمل القارئ ويشغلنا في بدهيات شرعية ولذا نجمل القول في البقية لمن يثق في علمنا فنقول :
البقل وهو كل ماينبت مما لاساق له كالجرجير ونحوه يعني الورقيات من خير الطعام وقد ذكره الله في كتابه ودل عليه نبي الله موسى بني إسرائيل عندما طلبوه وإن كان دون المن والسلوى .
وقد أكل النبي ﷺ السلق مع الشعير ونصح به عليا وهو مريض كما سيأتي في كلامنا عن الحمية .
ومما طلبه بنو إسرائيل القثاء وهو من الأطعمة الطيبة وأكله النبي ﷺ فقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن جعفر ، قال : رأيت رسول الله ﷺ يأكل الرطب بالقثاء .
ولا يخفى على أحد أكل الصحابة للثوم والبصل والكراث في زمنه ﷺ وإن ترك النبي ﷺ أكله لاختلافه عنا ولما نزل رسول الله ﷺ على أبي أيوب كان إذا أكل طعاما بعث إليه بفضله فينظر إلى موضع يد رسول الله ﷺ فيأكل من حيث موضع يده) قال أبو أيوب : وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث به إليه فإذا رد علينا فضله تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه (بصحفة) وقد جعلنا (فيه ثوما فوجد منها ريح الثوم فلم يذقها) فرده رسول الله ﷺ ولم أر ليده فيه أثرا قال : فجئته فزعا فقلت يارسول الله بأبي أنت وأمي (بعثت إلي بما لم تأكل ؟) رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك (لم أر أثر أصابعك) وكنت إذا رددته علينا تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك نبتغي بذلك البركة فقال : (إنه كان فيه ثوم) إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة قال أبو أيوب : أحرام هو ؟ فقال النبي ﷺ : لا ، ولكني أكرهه (من أجل ريحه ) قال : فإني أكره ماتكره ( فقال رسول الله ﷺ :لا إنك لست مثلي إنه يأتيني الملك ) إني رجل أناجي (أخاف أن أوذي صاحبي) الذي يأتيني فأما أنتم فكلوه قال : وكان النبي ﷺ يؤتى قال : فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد .
بل كان الثوم دواء أقره النبي ﷺ فعن المغيرة بن شعبة قال : أَكَلتُ الثُّومَ علَى عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فأتيتُ المسجدَ وقد سُبِقتُ برَكْعةٍ، فدخَلتُ معَهُم في الصَّلاةِ فوجدَ رسولُ اللَّهِ ﷺ ريحَهُ فقالَ: ” من أَكَلَ مِن هذِهِ الشَّجرةِ الخبيثةِ فلا يقربنَّ مُصلَّانا حتَّى يذهبَ ريحُها. فأتممَتُ صلاتي، فلمَّا سلَّمتُ قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أقسَمتُ عليكَ إلَّا ما أعطيتَني يدَكَ، فَناولَني يدَهُ، فأدخلتُها في كمِّي حتَّى انتَهَيتُ بها إلى صَدري فوجدَهُ معصوبًا، فقالَ : إنَّ لَكَ عُذرًا، أو أرى ذلَكَ عذرًا ” وهو حديث صحيح صححه ابن خزيمة وغيره .
الحبوب كالعدس مثلا كذلك وقد ذكرت في نفس الآية وجاءت أحاديث في الثناء على العدس ولاتصح وهو من الطعام المباح المفيد هو والفول وغيره مما يقتاته أمم من الناس وحياتهم مستقرة بل هم في صحة أفضل ممن يطعمون الأسماك مثلا ، وقد امتن الله به على خلقه فقال : ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ..أنا صببنا الماء صبا ..ثم شققنا الأرض شقا ..فأنبتنا فيها حبا )
فالفول والعدس والبازلاء والفاصوليا والقمح والشعير كل ذلك من الحب الممتن به أول المنن في المطعومات .. وبقية الآية تنسف البرنامج من أصله فذكر الله العنب والقضب والزيتون والنخل ثم أجمل فقال حدائق غلبا وفاكهة وأبا ؛ فيدخل في ذلك كل مايزرع في الحدائق وكل مايدخل تحت مسمى الفاكهة كالمانجو والبطيخ والشمام ، ويدخل الطماطم والخيار والقثاء والدباء والكوسة والقرع وغيرها من نعم الله من الطيبات الحقيقية .
وبمناسبة البطيخ فهو طعام من أطيب الأطعمة وقد أكله النبي ﷺ وأصحابه :
فعن عائشة رضي الله عنها، قالت : كان رسول الله ﷺ يأكل البطيخ بالرطب فيقول: نكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا . حيث صحيح صححه ابن حجر وغيره
ويقول بكر بن عبد الله المزني في الأثر الصحيح : كان أصحابُ النبيِّ ﷺ يتبادَحون بالبِطِّيخِ، فإذا كانت الحقائقُ كانوا هم الرجالَ . وهو حديث صحيح صححه الألباني وغيره .
أي يتمازحون بالتقاذف بقشر البطيخ بعد أكله .
وأما الخضروات التي تطبخ في الإدامات فأصل السنة فيها ما كان يحبه النبي ﷺ من الدباء وهو من فصيلة الكوسة والقرع فعن حكيم بن جابر، عن أبيه قال: دخلت على النبي ﷺ في بيته، فرأيت عنده قرعا _ وفي لفظ : دباء تقطع _ فقلت : يا رسول الله ما هذا ؟ قال: هذا ” قرع نكثر به طعامنا ”
حديث صحيح صححه الألباني وغيره
وقد ثبتَ في الصَّحيحينِ عَن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: إنَّ خيَّاطًا دعا رَسولَ اللهِ ﷺ لطعامٍ صنعَه، قال أنسُ بنُ مالكٍ: فذهبتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ إلى ذلك الطعامِ، فقرَّبَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ خُبزًا ومرَقًا، فيه دُبَّاء وقديدٌ، فرأيتُ النَّبيَّ ﷺ «يتتَبَّعُ الدُّبَاءَ من حَوالَيِ القصعةِ»، قال: «فلم أزلْ أُحبُّ الدُّبَّاءَ مِن يومِئذٍ»
أما قصة الدقيق فقد فهمها العوضي وغيره خطأ فالنبي ﷺ لم يأكل الدقيق الأبيض لكونه ذا ضرر وإنما كان ذلك زهدا وبسبب الفقر ، وقد كان الدقيق الأبيض المسمى النقي طعاما للمترفين والأثرياء فعن أبي حازمٍ سَلَمة بن دينار قال : سَألتُ سَهلَ بنَ سَعدٍ، فقُلتُ : هل أكَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ النَّقيَّ؟ فقال سَهلٌ : ما رَأى رَسولُ اللهِ ﷺ النَّقيَّ مِن حينَ ابتَعَثَه اللهُ حتَّى قَبَضَه اللهُ، قال: فقُلتُ: هل كانَت لَكُم في عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ مَناخِلُ؟ قال: ما رَأى رَسولُ اللهِ ﷺ مُنخُلًا مِن حينَ ابتَعَثَه اللهُ حتَّى قَبَضَه اللهُ، قال : قُلتُ: كيفَ كُنتُم تَأكُلونَ الشَّعيرَ غيرَ مَنخولٍ؟ قال: كُنَّا نَطحَنُه ونَنفُخُه، فيَطيرُ ما طارَ، وما بَقيَ ثَرَّيناه فأكَلناه . حديث صحيح أخرجه البخاري وغيره . ويذكره العلماء في أبواب الزهد والتقلل من الدنيا .
وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال : يُحشَرُ النَّاسُ يَومَ القيامةِ على أرضٍ بَيضاءَ عَفراءَ، كَقُرصةِ نَقيٍّ .
قال الشراح : النقي هو الدقيق المنخول المنظف الذي يتخذ منه الحواري .
وفي الصحيحين أيضا عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ﷺ : تَكونُ الأرضُ يَومَ القيامةِ خُبزةً واحِدةً يَتَكَفَّؤُها الجَبَّارُ بيَدِه كما يَكفَأُ أحَدُكُم خُبزَتَه في السَّفَرِ، نُزُلًا لأهلِ الجَنَّةِ .
فأول طعام يأكله أهل الجنة هو هذه الخبزة المصنوعة من الدقيق الحواري .
وكما سبق أن قلنا لا مانع أن يمتنع من يمتنع من الدقيق الأبيض لأسباب خارجية كأن يتضرر منه أو حمية من السمنة أو لمرض قولون أو لأنه معالج بطريقة صناعية انتزعت منه فوائده ونحو ذلك ، لكن لاتوضع قاعدة منع من الدقيق النقي المنخول وهو من أفضل الطيبات .
ويلحق بالدقيق كل مايصنع منه من فطير ومخبوزات ومكرونة ومعجنات وغير ذلك .
أما الماء وما أدراك ماالماء ؟
عاش عليه النبي ﷺ وأهله شهورا مع التمر
وعاش عليه أهل مكة مع اللحم فقط ودعا لهم فيه إبراهيم عليه السلام ولم يكن لديهم حب معه
والله سبحانه يقول : وجعلنا من الماء كل شيء حي .
وعاش عليه الصحابة فقط في غزوة من الغزوات مع تمرة واحدة يوميا يمصونها ويشربون عليها الكثير من الماء ليشبعوا .
فأين كلام المبرسمين الذين ينصحون بشرب رشفات منه عند العطش فقط ؟
ومعلوم أن ماء زمزم وهو من الماء قد عاش عليه أبو ذر الغفاري بضع عشرة ليلة حتى تكسرت عكن بطنه من السمنة .
والنبيﷺ يقول فيه : طعام طعم وشفاء سقم .
ويحث النبي ﷺ على التضلع منه فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: إن آية ما بيننا وبين المنافقين، أنهم لا يتضلعون من زمزم . صححه الحاكم والبوصيري وغيرهما .
والتضلع : الإكثار من الشرب حتـى يتمدَّد جنبه وأَضلاعه .
ونأتي للنوم .. ومن هذيان العوضي كلامه عن النوم وهو كلام يضحك الثكالى .. وعلى المسلم أن يريح جسده كل بحسبه وألا يرهقه إلا في تعبد وفي حدود المعقول ولذا قال النبي ﷺ كما في الصحيحين : أحب القيام إلى الله قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه .
يعني ينام ثلثي الليل .. والليل غالبا من عشر ساعات إلى اثنتي عشرة ساعة يعني نومه كان من سبع إلى ثمان ساعات وهو ماينصح به الأطباء المعتبرون لا كما يقول المسكين : ساعتان وثلاثة ! ويزري على من يزيد عن ذلك ويقول : إن الله سيسأله عن نومه !!!
والآن دور الدخان وهو البلاء الذي لايصدقه عقل من كلام هذا الرجل فإنه يدعي أن الدخان لاضرر فيه وهو يتعاطاه بوقاحة بل يتجاوز ذلك فيقول إن من لايدخن فهو ناقص الرجولة !! كبرت كلمة خرجت من فم هذا الوقح !!
والدخان من الخبائث التي لايختلف فيها العقلاء فهو منتن لريح الفم محرق للثياب مفسد للأجواء متلف للمال سبب مجمع عليه للسرطانات بأنواعها المختلفة مسقط للأجنة مدمر للأطفال .. فلا أدري أين مكان عقل هذا الرجل أفي قلبه أم تحت حذائه ؟؟
وهو بذلك يعارض الفتوى الشرعية التي يكاد يجمع عليها العلماء المعتبرون من حرمة التدخين لضرره البالغ . ودفع الضرر أصل عظيم وقاعدة فقهية مجمع عليها دلت عليها نصوص الكتاب والسنة .
لقد طال بنا المقام ولكن بلايا النظام الشرعية كثيرة جدا وأساساته ضلال مبين ..فهو ينكر العلاج ويقرر نوعا واحدا منه فقط وهو الحمية ، كما أنه يجعل سبب المرض الطعام ويحصر ذلك فيه وهذا تعد على الشريعة بل وعلى العقل والواقع .
الطفل يولد ولديه أمراض ولم يدخل بطنه طعام بعد .. والأسرة تأكل طعاما موحدا فيمرض كل واحد منهم مرضا يختلف عن غيره .. والمجتمع تسود فيه أنواع محددة من الأطعمة ثم يمرضون أمراضا مختلفة متباينة لا علاقة لها البتة بما يدخلونه في بطنهم .
وهو ينكر الأمراض الوراثية كمن ينكر الشمس في رائعة النهار ويضرب بالواقع المشاهد عرض الحائط وتأثير الوراثة أمر شرعي نص عليه النبي ﷺ في قوله للرجل : لعله نزعه عرق . كما في الحديث الصحيح .
وهو يهون من أمر الطب العلاجي ويفتري على الله بادعاء عدم وجوده أيام النبي ﷺ وهو إنكار عجيب بل الأطباء موجودون في زمنه ﷺ وكان ﷺ يدعوهم ويذهب إليهم الصحابة .
ففي الصحيح من حديث جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ بعث إلى أبي بن كعب طبيبا ، فقطع له عرقا وكواه عليه .
وقال النبي ﷺ : من تطبَّبَ ولم يُعلمْ منهُ طبٌّ فهوَ ضامِنٌ . حديث حسن حسنه الحافظ ابن حجر وغيره .
وأخشى أن يكون العوضي ممن يدخل في هذا الحديث فيضمن كل من تضرر من برنامجه ذلك عند الله تعالى حيث أدخل نفسه في غير تخصصه .
وعن أبي السفر قال : مرض أبو بكر – رضي الله تعالى عنه – فعادوه ، فقالوا : ألا ندعوا لك الطبيب ؟ قال : قد رآني الطبيب ، قالوا : فأي شيء قال لك ؟ قال : قال : إني فعال لما أريد !
يعني بذلك رب العزة والجلال فالمرض منه والشفاء منه .
يقول ابن القيم :
وكان علاجه ﷺ للمرض ثلاثة أنواع . . .
أحدها : بالأدوية الطبيعية .
والثاني : بالأدوية الإلهية .
والثالث : بالمركب من الأمرين .ا.هـ
ونحن لاننكر أن يكون الطعام من أسباب المرض وكذلك قد يكون من أسباب الشفاء لكن أسباب المرض وأسباب الشفاء كثيرة جدا ليست محصورة في الطعام أبدا بل الأسباب الأخرى أقوى ومنها الوراثة ومنها الهواء المستنشق ومنها الأجواء المختلفة ومنها العدوى عند من يراها من أهل العلم ومنها ما هو قوي جدا وكثير من الجن سحرا وعينا وغير ذلك
وقد قدم النبي ﷺ المدينة وهي أوبأ أرض الله فمرض أصحابه لمجرد دخولهم المدينة وأصابتهم حماها حتى دعا لها النبي ﷺ فنقل حماها لمنطقة الجحفة ..فأي طعام هنا له دخل يا عقلاء ؟؟
فالعلاج النبوي بالأدوية الطبيعية أنواع فمنه الطعام والشراب ومن ذلك العلاج بالماء وبعسل النحل والحبة السوداء وتمر العجوة والسنا والسنوت والتلبينة والقسط الهندي وألبان الإبل وأبوالها وألبان البقر وسمنها وألية الشاة
ومنه الاغتسال والادهان بالماء وزيت الزيتون والحناء .
ومنه السعوط وهو في الأنف بالقسط الهندي
ومنها اللدود وهو سكب الدواء في جانب الفم
ومنها القطرة في العين بماء الكمأة
ومنه المشي ولبس الحرير وربط الرأس وروي تغليفها بالحناء
وهناك العلاج النبوي بالحمية من بعض الأطعمة ومن بعض الأماكن كما نهى عن الدخول على الطاعون والخروج من أرضه .
ولما قدم صهيب على رسول الله ﷺ بالهجرة وهو يأكل خبزا وتمرا قال النبي ﷺ : ادن فكل ، فأقبل يأكل من التمر وبعينه رمد فقال : أتأكل التمر وبك رمد ؟ فقال : إنما آكل على شقي الصحيح ليس به رمد ! فضحك رسول الله ﷺ . وهو حديث صحيح خرجناه في صحيح السيرة
وعن أم المنذر سلمى بنت قيس الأنصارية قالت : دخلَ عليَّ النبيُّ ﷺ ومعَهُ عليٌّ ولَنا دوالٍ معلَّقةٌ قالت: فَجعلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يأكلُ وَعليٌّ معَهُ يأكلُ فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ لعليٍّ: مَهْ مَهْ يا عليُّ، فإنَّكَ ناقِهٌ، قالَ : فجلسَ عليٌّ وَالنَّبيُّ ﷺ يأكلُ، قالَت: فجعَلتُ لَهُم سلقًا وشَعيرًا، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : يا عليُّ، مِن هذا فأصِبْ، فإنَّهُ أوفَقُ لَكَ . حديث صحيح صححه الألباني وغيره
وهناك العلاج النبوي بالاستفراغ ومنه القيء وهو إفراغ ما في البطن ، والحجامة وهي إفراغ الدم الفاسد ، وقد اضطرب كلام العوضي فيها فلم أفهم ماثرثر به حولها وهي من أفضل العلاجات بل كانت نصيحة الملائكة للنبي ﷺ ليلة الإسراء أن يوصي بها أمته .. وأحكام الحجامة كثيرة ومتشعبة لأهميتها في الشريعة ، فأين هذا من نظام العوضي ؟؟
وروي عنه ﷺ الفصد وهو شبيه الحجامة
وهناك العلاج النبوي بالريق والتراب والنفث والمسح
وهناك العلاج النبوي بالكي حتى إنه كوى صاحبه بنفسه ﷺ ، والكي عالم آخر لاعلاقة له بالعوضي !!
وروي عنه ﷺ طلبه الأطباء للعلاج بالبط وهو عمل جراحي في الأورام والخراريج ونحوها
هذه كلها علاجات مادية مالها علاقة في جلها بالنظام الغذائي المزعوم ، فكيف بالعلاجات الروحية من الرقى والأدعية والاستشفاء بالقرآن .. وصاحبنا بمعزل عن ذلك كله .
وكذا العلاج النفسي للمريض فقد روي عنه ﷺ الحث على تطييب نفس المريض إذا دخل عليه وعدم إكراهه على الطعام وإطعامه مما يشتهي بالقدر المناسب . مع ماثبت من الدعاء له وعيادته ونحو ذلك .
قال ابن القيم في علاج الأمراض أن منها مايعالج بالسكون والدعة ، ومنه ما علاجه بالضمادات ، ومنه ما علاجه بالتبريد ، ومنه ما علاجه بالتسخين ، ومنه ما علاجه بأن يجتنب سماع الأصوات والحركات .
ولا ننسى اليوم العلاجات الحديثة من عمليات جراحية وإبر صينية وليزر وغير ذلك ..
( فمن يحصر العلاج في الحمية من بعض الأطعمة فهو ساذج أو فاقد للعقل )
ونختم بحديثين يكثر ذكرهما من العوام ويدندن بهما المدندن ولا يصحان
الأول : المعدة بيت الداء :
هذا ليس حديثا نبويا بل جزء من حكمة تنسب للحارث بن كلدة : المعدةُ بيتُ الدَّاءِ والحميةُ رأسُ الدَّواءِ .
فمن نسبه للنبي ﷺ فهو كاذب ومن كذب عليه ﷺ فليتبوأ مقعده من النار
ولا يعني هذا نفي أهمية المعدة وتأثير الإكثار من الطعام في حصول الأمراض والتخمة والكسل وغير ذلك .
والثاني : صوموا تصحوا
وهو حديث ضعيف لايصح وقد ضعفه الحافظ العراقي والعقيلي والمناوي وغيرهم وأورده الشوكاني وغيره في الموضوعات
ولايعني أيضا إنكار فوائد الصوم في الصحة ، ولكن لايعتبر الصوم علاجا بصفة عامة ويحتج بهذا عليه ، بل إن الله رخص للمريض في الفطر ووضع عنه الصوم المفروض في وقته لحاجة المريض للطعام والدواء .
وكلامنا السابق كله في برنامج الرجل ..أما الرجل في حد ذاته فلا أرى عاقلا يمكنه أن يستمر في استماعه ، فهو رجل مريض نفسيا قطعا ويعاني من عدة متلازمات أقلها جنون العظمة مما دفعه لسفاهات وحماقات وتطاولات على الذات الإلهية والنبوة ! وصوته في بعض تسجيلاته يشبه صوت المتعاطين .. والخلاصة أنه شخص غير سوي ، وماقلنا ذلك إلا للتحذير من السنة السيئة التي خلفها وإلا فقد أفضى إلى ماقدم رحمه الله تعالى .
شبهة سريعة :
هذه الأطعمة المذكورة في السنة أو في القرآن قد دخلها العبث البشري بتعديلات وراثية وانتقاءات ومواد يسمونها محسنة وإضافات لأغراض تجارية وربما مواد مسرطنة …الخ المنظومة
والجواب :
إذن ! لاتأكل شيئا ولاتشرب شيئا ومت أفضل لك ..لأن هذه الشبهة موجودة في كل طعام وفي كل ماء في زماننا بل في الهواء .. حتى المطر النازل من السماء فيه بلاء أدخنة المصانع وأبخرة المنتوجات ودخان العوادم والكميتريل المرشوش وخفايا الاستمطار .. ثم القدر الذي ستجمع فيه ماء المطر مثلا أو القارورة بها ما الله به عليم من بلايا خفية .
بطاطسك كلها كيماويات ومواد عجيبة من الأرض المختلط ترابها ببلايا الله بها عليم
أما اللحوم وماأدراك ما اللحوم فكلها من حيوانات معالجة بالإبر والمضادات وتأكل من علف مصنع به عجائب وترعى في زروع مرشوشة …الخ
أما التونة والسردين ومالف لفيفها فبلاياه أعظم بسبب التعليب والحفظ والمواد المضافة والنوعيات المليئة بالرصاص …وهلم جرا
ولا أطيل عليك ..فكل ماحولك يمكن أن يقال فيه مايقال في الدقيق والدجاج والحليب !!
وإني والله أعرف أناسا يأكلون الدقيق الأبيض الخالص الذي في السوق وليس لديهم أي إشكالات هضمية وأنا منهم ولله الحمد .. وخرافة الغراء أو العلكة التي تلتصق بجدار المعدة لاوجود لها وإلا لكانت معدتنا وأمعاؤنا قد سدت منذ زمن ..فسبعون سنة التصاقات كافية لذلك .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
