ورحلت أمي !!!

0

ورحلت الأم الحنون الصبورة
أمي كتاب … فصوله نسجت من الصبر والبلاء ..
دعوت الله كثيرا أن لا يسترد وديعته قبل أن يصور قلمي بعض هذه الفصول فأدخل الفرحة على قلبها الذي مر عليه الأعوام تلو الأعوام لايشعر بها إلا لماما … ولكن أبى الله أن يحقق ذلك وله الحكمة البالغة
أمي … تلك الأم التي أعطت كل ما لديها حسب قدرتها فلم تجن إلا القليل اليسير بل لقيت الجحود والنكير من بعض من أفنت عمرها لأجله .
أمي زوجة صبرت على زوج طبيب جل وقته خارج بيته أحيانا بين ثلاث مستشفيات صباحا وثلاث عيادات مساء لايعود إلا للغداء والراحة ثم ينطلق ليعود في الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل لاتخاطبه باسمه احتراما ولاتجرؤ على طلب شيء منه ولاتعترض على أي فعل له .. لايمكن أن يأتي البيت فيجدها نائمة .. لو غفلت يوقظها صوت إدخال المفتاح في مكانه من باب الشقة فتهب واقفة عند الباب قبل فتحه !! قد تضرب لأتفه الأسباب فتصبر .. وقد تسب بأقذع السباب فتصبر … لو حاولت عد ما صبرت عليه من شدة الوالد مع الخدمة المتفانية لعجزت رحمه الله ورحمها .
لاترى الشارع إلا مرتين في السنة لو أكثرت ومن باب البيت للسيارة إلى باب الجدة أم الوالد والعكس في العيدين فقط .
توفي الوالد وهي في الأربعين تقريبا فخطبها أشهر جراحي مصر الدكتور أحمد شفيق وكان صديقا للوالد فرفضت .. فمن للتسعة بعد الله غيرها ؟
مات عنها الوالد تاركا لها
مرفت طالبة في كلية الطب لم تتخرج بعد
تتلوها مديحة في نفس الكلية دونها بسنة
يتلوهما مدحت في نفس الكلية دونهما بسنة
يتلوهم ماجدة في أول سنة بكلية الآداب
بعدها منى في الثانوية العامة
ثم كاتب السطور في الثالثة المتوسطة
يتلوه محمود في الثانية
ثم محسن في الأولى
وأخيرا مها وما أدراك ما مها ؟! في الأولى الابتدائية بمدرسة بيبي جاردن قبل أن تبلغ السن القانوني
ما ترك لها الوالد مالا إلا معاشا قليلا لايمكن أن يفي بمتطلبات أسرة صغيرة فاقتصدت وحرمت نفسها من كل شيء
وفرت لأفراد الأسرة الراحة التامة فلم يخدمها أحد بل هي التي كانت تخدم الجميع .. كل فرد يطلب ويأمر ويتدلل .. هي المنبه .. وهي القهوجي .. وهي الطباخ .. وهي الغسال وهي المنظف لتسعة أنفس كل في فلك يسبحون …
امرأة قعدت على أيتام لها فربتهم في عرف الناس وحسب قدرتها آنذاك أحسن تربية فكانت النتيجة :
مرفت Mervat Nasser بروفسورة في الطب النفسي من بريطانيا ومؤلفة مشهورة في تخصصها وباحثة متخصصة في الحضارة الفرعونية وصاحبة مدينة هرموبولس الجديدة ولها مؤلفات تتعلق بذلك
مديحة طبيبة أخصائية جلدية توفيت بما ترتب على ولادتها الأولى للفنان محمد أكرم جمعة في قصة مأساوية كانت أيادي الوالدة البلسم لها في أحلك حلقاتها
مدحت طبيب بشري توفي في حادث أليم بسيارته وهو في الجزائر يشق طريقه بعد التخرج ولما يخطب
ماجدة كبيرة محررين في الإذاعة والتليفزيون
منى Mona Abdel Nasser صيدلانية
كاتب السطور انتقل من الهندسة للعلم الشرعي وتحصل على الدكتوراه من الأزهر والتفاصيل منشورة في مواضع كثيرة .
محمود طبيب أسنان
محسن Mohsen Tarhouni محاسب إمام مسجد حافظ لكتاب الله
الصغيرة مها Maha Abdel Nasser مهندسة وحاصلة على دكتوراه في التسويق
نتيجة مبهرة للكثيرين وإن لم تكن مبهرة لي بل إني أذكر بعض من ذكرت شاعرا بالخزي والعار فمقاييسي تختلف عن مقاييس الآخرين لكن إمكانات الوالدة رحمها الله لم تكن تؤهلها لأفضل من ذاك ..
هذه النتيجة التي أمامكم هي نتاج أم مفجوعة بزوجها بعدما فجعت بوالديها الأب تلته الأم بأشهر قليلة قبل ثلاث سنوات ثم فجعت بابنتها الكبرى التي تركتها وهاجرت لبريطانيا تبحث عن حياة أخرى بعيدة عن نكد العيش في مصر ثم فجعت بولدها الكبير سند الأسرة المتوقع بعد ذلك بقرابة ثلاث سنوات وبعد أن تركها مهاجرا ليشق طريقه ثم فجعت بي وأنا التالي له من الذكور حيث تركت دراستي الهندسية وهاجرت لأرض الحرمين أبتغي رضى الله تعالى ثم فجعت بابنتها الطبيبة العروس التي فارقتها بعد أن وضعت عندها أمانة عظيمة … طفلا معوقا تخلى عنه والده ولم يبق له في هذه الدنيا إلا جدته فقامت بكل شئونه حتى كانت تحمله على ظهرها الضعيف المنحني أصلا وهو ابن خمسة عشر عاما لتدخله الحمام …
وأخيرا وجدت نفسها وحيدة وليس معها في بيتها سوى الصغيرة مها فقعدت عليها حتى تخرجت من كلية الهندسة وتزوجت وبقي معها الشاب المعوق الذي بقي مرافقها في نفس السكن حتى وافاها الأجل بعد مأساة جديدة من مآسي حياتها الكثيرة التي ماذكرنا منها شيئا ..
تلك المأساة تتعلق بي شخصيا فبعد أن صبرت أمي على فراقي قرابة ثلاثين عاما قضيتها بعيدا عنها بالمدينة المنورة وكانت تزورني من آن لآخر وتحملت فجائع عدة مرت بي منها اقتحام قوات الأمن البيت عليها بعد منتصف الليل وليس بالبيت سواها ومها الصغيرة وكنت في زيارة للدراسات في مصر وساقوني أمامها معصوب العينين دون أي جرم تاركين باب البيت المهشم وراءهم شلت أيديهم وأرجلهم ..
ومنها تسفيري بأسرتي من المدينة لليمن فجأة بدون إبداء أي سبب معي زوجي الحامل وخمسة أطفال ..
ومنها اعتقالي بسجون آل سعود لأقضي حكما بالسجن عشر سنوات دون أن تثبت علي أي تهمة
وبعد أن أطلق سراحي مرحلا إلى مصر وفرق المجرمون بين أفراد أسرتي الكبيرة آليت على نفسي أن أقضي بقية عمري في خدمتها حتى يفرق بيننا مفرق الجماعات وهاذم اللذات … فجمعتها إلي وأظنها عاشت أياما جميلة كانت تنتظرها منذ زمن طويل ..
ولكني للأسف لم أمهل فمالبثنا أن اعتقل ابني الأكبر وعرفت أنهم في طريقهم إلي لامحالة فأظلمت الدنيا في عينيها عندما فوجئت أنها تنتقل من بيتي وأنا أودعها لأختفي حتى فوجئت بي مرة أخرى أدخل عليها أودعها لأرحل بعيدا حيث يمكن أن آمن من الظالمين .
تدهورت صحتها وساءت حالتها وكنت آنس بصوتها حتى انقطع عني فلم تعد تستطيع الكلام وبقيت تنتقل من سيء لأسوأ حتى وافتها المنية بعيدا عني…
كنت أدعو دائما اللهم اغفر لأمي وبارك لها في صحتها وفي عمرها واختم لها بالصالحات وأدخلها فسيح الجنات واكتب لنا اللقاء قبل الممات …
واليوم توجب علي أن أغير دعائي الذي اعتاده لساني فبعضه لم يعد يصلح الآن فإنا لله وإنا إليه راجعون ..
عزائي أنها لم تمت إلا وقد التزمت بحجابها الشرعي وحجت واعتمرت مرارا وكانت مصاحبة لكتاب الله لاتمل ولاتكل من تلاوته أو سماعه قارئة مجودة مجيدة لاتبطن غلا لأحد وما آذت أحدا ولا أحزنته مهما أوذيت هي التي تراضي من آذاها وأساء إليها فرحمها الله رحمة واسعة
عزائي أنها كانت محبة للخير فعالة له قدر طاقتها وكانت تحب أن تتصدق وقد من الله عليها بحفر بئر ماء في مجاهل إفريقيا لتسقي به قرية كاملة تقبل الله منها ذلك وجعله الله في ميزان حسناتها .
عزائي أن كل كتاب ألفته أو محاضرة ألقيتها أو مقال كتبته أو ضال وجهته أو طالب علمته إن تقبل الله ذلك سيكون في ميزان حسناتها بإذن الله وأن أعمال كل ذريتي من أولاد وأحفاد إن تقبلها الله ستكون في ميزان حسناتها بإذن الله.

اللهم إني أسألك باسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت وإذا سئلت به أعطيت أسألك بأسمائك الحسنى كلها أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أسألك اللهم يارب يارب يارب يارب يارب لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أسألك اللهم بأنك أنت الله الذي لا إله إلا هو الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد الحنان المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام الحي القيوم الذي بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولايجار عليه الذي إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون العلي العظيم العليم الحليم الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلنا خلفاء الأرض غياث المستغيثين ومجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما كاشف الغم وفارج الهم أن تغفر لأمي وتتجاوز عنها وتثبتها عند السؤال وتجعل قبرها روضة من رياض الجنة وتنور لها وتوسع لها فيه وأن تبدلها دارا خيرا من دارها وأهلا خيرا من اهلها وزوجا خيرا من زوجها وتسكنها فسيح الجنان
اللهم وكما أغلقت لي بابي إلى الجنة فافتح لي من أبواب فضلك وألحقني بأمي على خير وفي خير وعوضنا فراق الدنيا بلقاء الآخرة في جنات نعيمك وارزقني شهادة في سبيلك مقبلا غير مدبر وتقبلني عندك لآخذ أمي بيدي في منازل الشهداء .
الله وانتقم لنا ممن فرق بيننا وشتت شملنا وحرمنا أمننا واجتماعنا وأرنا فيه عجائب قدرتك هو ومن أيده وناصره وآزره وأحبه ووالاه ولو كان أقرب الأقربين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
الأربعاء 22 صفر 1440هـ
ملحوظة : أحبتي أكثروا من الدعاء لها بالرحمة والمغفرة