
هل أهل الجاهلية من أهل الفترة ؟؟
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد
فلم يكن في نيتي الدخول في معترك القضية التي شغلت ساحة طلاب العلم بشأن د محمد عبد الغفار وماتفوه به من حماقة .. ولكن بدأ الأمر يأخذ منحى عجيبا في التدليس على الأمة في متعلقات بهذه القضية .. ودخلت فيه حماقات أشد وأنكى ! فمن مضعف لأحاديث الصحيح مسقط لها ! ومن كاذب على جمهور علماء الأمة محمل لهم قولا ضد قولهم ! ومن مرقع يخشى الملامة فيلف ويدور ويراوغ ! ومن مجامل يخطب ود أهل التصوف والخرافات فيصحح الموضوعات والأباطيل! ومن جبان رعديد قال لأكن مع الخيل ياشقرا حتى لا يكون مصيري الاعتقال !! ومن متأثر معتقد قبل الاستدلال فيغوص في التأويل المستقبح ويأتي بما يضحك الثكلى ..وهلم جرا
وقد اطلعت على أحد الأفاضل ساق كلاما للشيخ الأمين الشنقيطي رحمه الله نقله ولده وذكر أنه تم في مجلس الشيخ الزاحم
ولكون هذه القضية تتعلق بثلاثة تخصصات لي قد علم طلاب العلم مالدلوي من فري فيها أولها السيرة وثانيها التفسير وثالثها الحديث ولي في ثلاثتها موسوعات ملحمية قررت الدخول على استحياء في وقفات مع الشيخ الأمين رحمه الله
فقد جرني هذا الموضوع لذكريات كثيرة أجملها في نقاط
هذه المعركة قديمة جدا والمخالف لأهل السنة فيها إما صوفي قح أو ملوث بلوثة التصوف أو متأثر بها ومن هؤلاء الإمام السيوطي الذي لدينا في إجازاتنا سند له في لبس خرقة الصوفية !
وقد كان بيني وبين شيخنا الشيخ المرصفي بعض المساجلات في بيت الشيخ محمود جادو رحمهما الله وفي الجامعة حول الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم وغيره حتى كان يخرج عن طوره أحيانا بسبب ذلك .
ثم كان بيني وبين صوفية المدينة المنورة مناظرة طويلة دامت لساعات في بيت الوجيه الشيخ عبد الجليل مرشد رحمه الله وعلى رأسهم كان الدكتور ملا خليل خاطر رحمه الله ومعه بعض المشايخ والأعيان في قضايا مشابهة من السيرة النبوية وأظن أني قطعتهم والحمد لله . وقد لامني الشيخ ابن باز رحمه الله على إثارة مسألة مما تناقشنا فيه بعدما أوصلت له الأمر عن طريق الشيخ عبد المحسن العباد ظنا منه أني تعمدت إثارتها وقد كان ذلك دون تعمد وإنما أثناء تدريسي للسيرة في جامعة الملك عبد العزيز كلية التربية آنذاك قبل قرابة ثلاثين سنة .
وللأسف أقول إن كل ماثبت في السيرة وأتت به الروايات الصحيحة مما يخالف التوجه الصوفي في رفع النبي ﷺ فوق منزلته أو يتوهم منه نقيصة غير حقيقية بحقه ينتفض له هؤلاء بحجة محبة النبي ﷺ والدفاع عن جنابه .. وجلهم للأسف لايظهر عليه محبة ولايحزنون بل غارق في مخالفته ﷺ في أمره وهديه وطريقه القويم .
وكما رأينا انتفض الأزهر وتم اعتقال صاحب المقالة .. وفي نفس الوقت يصمت الأزهر عن الكفر البواح الذي ينشر ليل نهار في الإعلام والطعن في مسلمات الدين فلاينبس ببنت شفة فضلا عن الانتفاض ولا يمس المتهتك المتجرئ على دين الله بسوء .
وقبل الخوض في موضوعنا أستطرد ببعض الذكريات
الشيخ الزاحم رحمه الله وهو رئيس محاكم المدينة قضيت في بيته شهرين كاملين رتبت فيها مكتبته على تصنيف ديوي العشري خدمة له حيث توسط لي وساطة خاصة لدى وزارة الداخلية في إجراءات زواجي من الغامدية وكان بيني وبينه جلسات خاصة متعددة .
أما الشيخ الأمين رحمه الله فلم أدركه وإنما أدركت ولديه شيخنا الدكتور عبد الله أمد الله في عمره والدكتور محمد المختار رحمه الله .. وكانت علاقتي بشيخنا علاقة خاصة زرته كثيرا بأهلي زيارات عائلية وقابلت عنده أخاه المختار ودارت بيننا معركة حول كلام الشيخ الأمين عن ابن حزم وقد كنت محقا في كلامي عن عدم دقة نقل الشيخ الأمين عن ابن حزم ولكنه تألم كثيرا لأني تعرضت للشيخ الأمين في حين كان شيخنا منصفا وطالب بإحضار كتاب الشيخ للنظر في كلامه وكلامي .. ماعلينا !!
نعود لموضوعنا :
هل أهل الجاهلية أهل فترة ؟؟
وأقول : على الخبير سقطت ! أهل الفترة إطلاق يراد به نوعان :
الأول : من لم تصلهم دعوة مطلقا وهؤلاء اختلف العلماء فيهم على أقوال عدة لانطيل بسردها فهي مبحث مستقل أرجحها أنهم يختبرون يوم القيامة من الله سبحانه فمن نجح نجا ومن لم ينجح هلك . والحديث الذي يدل على ذلك متنازع في صحته والراجح أنه حسن يعمل به . وإلا فمما أجمع عليه أهل السنة والجماعة أن الجنين في بطن أمه يكتب شقي أم سعيد مع نفخ الروح فيه .
قال ابن كثير : مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها ، قديما وحديثا ، وهي : الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ، ماذا حكمهم ؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف ، ومن مات في الفترة ولم تبلغه الدعوة .ا.هـ
فعندما يأتينا مهون للمسألة ويقول بالنجاة أو بالاختبار وكأنها مسألة قطعية متفق عليها أصبح هذا قريبا من الهراء ..لاسيما إذا كان يتذرع بالظني والقطعي كما هو الحال في كلام الشيخ الشنقيطي .
الثاني : من لم يرسل لهم رسول على وجه الخصوص وإن وصلتهم الدعوة وهؤلاء هم أهل الجاهلية الذين قال فيهم الله : على حين فترة من الرسل . ونزلت فيهم الآيات المتعددة في عدم إرسال نذير لهم . وهي ما تعلل به الشيخ الشنقيطي رحمه الله في كلامه . وهؤلاء كفار محاسبون على كفرهم لايختبرون وقد كتبت قرابة المائة صفحة من المجلد الأول من صحيح السيرة النبوية في أحوال أهل الجاهلية وبيان ماوصلهم من الدين القويم وما حرفوه منه وزادوا فيه وبدلوا ولذا استحقوا العقاب الأخروي وليس هناك معنى لاختبارهم في عرصات القيامة .
وبعض السطحيين يظن أن المسألة محصورة في حديثي الصحيح الشهيرين ويغفل عن وجود أحاديث كثيرة متكاثرة في نفس السياق وآيات تتعلق بذلك .
ومن يدعي أن هؤلاء من النوع الأول فقد زل حمار علمه في الطين !!
ماذا يقول في الحديث الذي في الصحيح عن عائشة قالت : قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ابنُ جُدْعانَ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطْعِمُ المِسْكِينَ، فَهلْ ذاكَ نافِعُهُ؟ قالَ: لا يَنْفَعُهُ، إنَّه لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتي يَومَ الدِّينِ .
وماذا يقول في الحديث الذي في الصحيح عن زيد بن ثابت قال : بيْنَما النَّبيُّ ﷺ في حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ علَى بَغْلَةٍ له وَنَحْنُ معهُ، إذْ حَادَتْ به فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وإذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ، أَوْ خَمْسَةٌ، أَوْ أَرْبَعَةٌ فَقالَ: مَن يَعْرِفُ أَصْحَابَ هذِه الأقْبُرِ؟ فَقالَ رَجُلٌ: أَنَا، قالَ: فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟ قالَ: مَاتُوا في الإشْرَاكِ، فَقالَ: إنَّ هذِه الأُمَّةَ تُبْتَلَى في قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِن عَذَابِ القَبْرِ الَّذي أَسْمَعُ منه. .. الحديث
وماذا يقول في الحديث الصحيح عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ قال: قلنا : يا رسول الله إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل وتفعل، هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئاً؟ قال: لا … الحديث .
أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما
وماذا يقول في الحديث الصحيح عن جابر قال: دخل النبي ﷺ يوما نخلا لبني النجار، فسمع أصوات رجال من بني النجار ماتوا في الجاهلية يعذبون في قبورهم، فخرج رسول الله ﷺ فزعا، فأمر أصحابه أن تعوذوا من عذاب القبر “.
أخرجه الإمام أحمد وغيره
وماذا يقول في الحديث الصحيح عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ : لا تفتخروا بآبائِكُمُ الذينَ ماتُوا في الجاهليةِ، فَوالذي نفسي بيدِه، لَما يُدَهْدِهُ الْجُعَلُ بمَنخَرَيْهِ خَيْرٌ من آبائِكُمُ الذينَ ماتوا في الجاهلِيةِ .
أخرجه الطيالسي وابن حبان في صحيحه وغيرهما
وماذا يقول في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ : لينتهيَنَّ أقوامٌ يفتخرونَ بِآبائِهِمُ الذينَ ماتُوا إِنَّما هُمْ فَحْمُ جهنمَ أوْ ليكونُنَّ أَهْوَنَ على اللهِ مِنَ الجُعَلِ الذي يُدَهْدِهُ الخِرَاءَ بِأنْفِهِ …الحديث .
أخرجه الترمذي وغيره
وماذا يقول في الحديث الصحيح عن ابن عمر قال جاءَ أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ إنَّ أبي كانَ يصِلُ الرَّحمَ وَكانَ وَكانَ فأينَ هوَ قالَ في النَّارِ قالَ فَكأنَّهُ وجدَ من ذلِكَ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ فأينَ أبوكَ قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ حيثُما مررتَ بقبرِ مشرِكٍ فبشِّرْهُ بالنَّارِ قالَ فأسلمَ الأعرابيُّ بعدُ وقالَ لقد كلَّفني رسولُ اللَّهِ ﷺ تعبًا ما مررتُ بقبرِ كافرٍ إلَّا بشَّرتُهُ بالنَّارِ .
أخرجه ابن ماجه وغيره
إن دخول أهل الجاهلية النار طفحت به الأحاديث وقد يبلغ حد التواتر مما يجعله قطعيا عند من يتذرع بالقطعي والظني ..فما لهؤلاء القوم لايرعوون ؟؟؟
حتى إن النبي ﷺ لم يراع لموتاهم حرمة ، فنبش قبوراً لبعضهم عندما بنى مسجده في المدينة كما ثبت في الصحيح .
هذا جزء من الأحاديث الصحيحة فكيف لو ذكرنا شيئا من الضعيف عندنا .
ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق وغيره في تفسير قوله تعالى : ولاتسأل عن أصحاب الجحيم . في القراءة بفتح التاء والجزم
أما مسألة القطعي والظني فالكلام فيها يطول فهي مدخل أهل البدع ومنكري السنة وبلاء عظيم ثم الإشكال أن من يتذرع بها يأتي بظنيات أشد فمثلا قوله تعالى : وما كانا معذبين حتى نبعث رسولا التي احتج بها الشيخ أو غيره هي آية قطعية الثبوت لكنها ظنية الدلالة بالاتفاق فكيف يريد أن يرد بها حديثا في صحيح مسلم ؟؟
قال الطبرسي: معناه وما كنا معذبين قوماً بعذاب الاستئصال إلا بعد الإعذار إليهم والإنذار لهم بأبلغ الوجوه وهو إرسال الرسل إليهم مظاهرة في العدل …الخ
وقال ابن عاشور : والعذاب هنا عذاب الدنيا بقرينة السياق وقرينة عطف { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها }[الإسراء: 16] الآية. ودلت على ذلك آيات كثيرة، قال الله تعالى: { وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ذكرى وما كنا ظالمين }[الشعراء: 209] وقال:{ فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون }[يونس: 47].
على أن أحاديث الصحيحين نص كثير من العلماء على أنها تفيد القطع كما اشتهر ذلك عن ابن الصلاح وقال ابن حجر في النكت عليه : واعلم أن هذا الذي قاله ابن الصلاح هو قول جماهير الأصوليين من أصحابنا وغيرهم ، قد جزم به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني فقال في كتابه أصول الفقه : الأخبار التي في الصحيحين مقطوع بصحة أصولها ومتونها ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل في ذلك اختلاف في طرقها أو رواتها فمن خالف حكمه خبرا منها وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول . ا.هـ
ولاشك أن هذه مباحث تخصصية صعبة لا يمكن لمقالة مختصرة التفصيل فيها وتحريرها
وأما محاولة الالتفاف على لفظ الأب ليراد به العم فهذه شنشنة نعرفها من أخزم وقد قيلت من قبل في آزر . والعجب ممن يقول ذلك فيه والقرآن الكريم يصرح بأبوته بل يتكرر قول إبراهيم له : يا أبت أربع مرات في نسق واحد ثم يقرر القرآن أنه أبوه ثمان مرات أخرى وهذا بخلاف الأحاديث التي في الصحيح ومنها حديث أبي هريرة عند البخاري قال : يلقى إبراهيمُ أباه آزرَ يومَ القيامةِ ، وعلى وجهِ آزرَ قَتَرَةٌ وغبَرَةٌ ، فيقولُ له إبراهيمُ : ألم أقلْ لك لا تعصِني ؟ فيقولُ أبوه : فاليومَ لا أَعصيك ، فيقولُ إبراهيمُ : يا ربِّ ! إنك وعدْتَني أن لا تُخزيَني يومَ يُبعثون ، وأيُّ خزيٍ أخزى من أبي الأبعدِ ؟ فيقولُ اللهُ : إني حرَّمتُ الجنةَ على الكافرينَ ، فيقال : يا إبراهيمُ ! انظُرْ ما بين رجلَيك ! فينظر فإذا هو بذِيخٍ مُلْتَطِخٍ ، فيؤخذُ بقوائمِه ، فيُلْقَى في النَّارِ .
ولا يرد في رواية ولو ضعيفة أنه كان عمه .. فليت شعري ماهذا السخف ؟!
وكذلك وإن تعجب فعجب قول أحدهم النهي عن الاستغفار ليس لأجل الموت على الشرك والكفر وإنما لأمر آخر .. ولا أدري ماهو السر الباتع الذي يمنع نبيا أن يستغفر لأمه غير ذلك ؟؟
نكتفي بهذا وخير الكلام ما قل ودل .. ولست بصدد الخوض في المسألة ذات نفسها فمكانها كتب العلم وليس وسائل التواصل .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وكتب
د . محمد بن رزق بن طرهوني
27 من شعبان 1447 هـ
